جدل غيّر وجه المسيحية

في القرن الخامس الميلادي، اندلع جدل لاهوتي عاصف بين اثنين من أبرز أساقفة العالم المسيحي: كيرلس بطريرك الإسكندرية، ونسطور بطريرك القسطنطينية. لم يكن الخلاف مجرد صراع شخصي أو سياسي، بل كان نزاعًا عميقًا حول سؤال جوهري: "من هو يسوع المسيح؟". يستكشف هذا العرض التفاعلي الأبعاد التاريخية واللاهوتية والسياسية لهذا الصراع، الذي أدى إلى انقسامات كنسية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

الشخصيات الرئيسية

🏛️

كيرلس السكندري

بطريرك الإسكندرية

📜

نسطور

بطريرك القسطنطينية

الخلفية والسياق

لم ينشأ الصراع من فراغ، بل كان نتاج تنافس تاريخي بين مدرستين لاهوتيتين عريقتين، وتنافس سياسي بين كرسيي الإسكندرية والقسطنطينية على النفوذ في الإمبراطورية الرومانية الشرقية.

مدرسة الإسكندرية اللاهوتية

المنهج: تفسير رمزي وتأملي للكتاب المقدس.

التركيز الكريستولوجي: التأكيد على وحدة شخص المسيح (Logos-Sarx أو "الكلمة-جسد"). الطبيعة الإلهية للكلمة هي الفاعل الأساسي في كل أعمال المسيح. هناك خطر الميل نحو الخلط بين الطبيعتين.

شخصية ممثلة: كيرلس السكندري.

مدرسة أنطاكية اللاهوتية

المنهج: تفسير تاريخي وحرفي للكتاب المقدس.

التركيز الكريستولوجي: التأكيد على التمييز الكامل بين الطبيعتين الإلهية والبشرية (Logos-Anthropos أو "الكلمة-إنسان"). لكل طبيعة خواصها وأفعالها. هناك خطر الميل نحو الفصل بين الطبيعتين إلى حد اعتبارهما شخصين.

شخصية ممثلة: نسطور.

شرارة الخلاف: "ثيؤطوكوس"

بدأ الجدل علنًا عندما دعم نسطور، بطريرك العاصمة الإمبراطورية، قسيسًا اسمه أنستاسيوس الذي علّم بأن مريم العذراء لا يجب أن تُدعى "ثيؤطوكوس" (والدة الإله) لأنها ولدت الطبيعة البشرية للمسيح فقط، وليس طبيعته الإلهية.

اعتبر كيرلس هذا التعليم هرطقة خطيرة، لأنه في نظره، فصل المسيح إلى شخصين: ابن الله وابن الإنسان. الإصرار على لقب "ثيؤطوكوس" كان بالنسبة لكيرلس دفاعًا عن حقيقة أن الشخص الواحد الذي وُلد من مريم هو نفسه الإله المتجسد.

"Θεοτόκος"

(ثيؤطوكوس)

كلمة يونانية تعني "والدة الإله" أو "حاملة الإله". كانت هذه الكلمة هي ساحة المعركة اللاهوتية الرئيسية.

مجمع أفسس (431 م) وما تلاه

تسلسل الأحداث

428 م: بداية الجدل

نسطور يصبح بطريرك القسطنطينية.

430 م: تصعيد النزاع

كيرلس يصدر "الحرومات الإثني عشر".

يونيو 431 م: افتتاح مجمع أفسس

إدانة نسطور في غياب حلفائه.

أواخر يونيو 431 م: المجمع المضاد

أنصار نسطور يدينون كيرلس.

433 م: صيغة الاتحاد

محاولة للمصالحة بين الإسكندرية وأنطاكية.

حرومات كيرلس الإثني عشر

كانت هذه الحرومات عبارة عن 12 نقطة لاهوتية صاغها كيرلس، بحيث أن من لا يوافق عليها يُعتبر محرومًا (Anathema). اعتبرها الجانب الأنطاكي بمثابة محاولة لفرض لاهوت الإسكندرية بشكل متطرف. اضغط على كل حرم لعرضه.

الإرث: الانقسام الخلقيدوني وكتابات نسطور الأخيرة

مجمع خلقيدونية (451 م)

لم تنهِ "صيغة الاتحاد" الجدل تمامًا. فالخلافات اللاهوتية استمرت، وأدت إلى انعقاد مجمع خلقيدونية عام 451 م. حاول هذا المجمع إيجاد حل وسط بتعريفه الشهير للمسيح بأنه "شخص واحد في طبيعتين" إلهية وبشرية، "بلا اختلاط، ولا تغيير، ولا انقسام، ولا انفصال".

لكن هذا التعريف لم يرضِ الجميع. الكنائس التي اتبعت لاهوت كيرلس بشكل دقيق (خاصة في مصر وسوريا) رفضت التعريف الخلقيدوني، ورأت فيه تنازلاً للنسطورية. هذا الرفض أدى إلى أول انشقاق كبير ودائم في جسد الكنيسة، وفصل ما يعرف اليوم بالكنائس الأرثوذكسية المشرقية (غير الخلقيدونية) عن الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الكاثوليكية (الخلقيدونية).

بازار هرقليدس

في منفاه، وقبل وفاته، كتب نسطور كتابًا بعنوان "بازار هرقليدس". في هذا العمل، دافع عن أفكاره موضحًا أنه لم يقصد أبدًا الفصل بين طبيعتي المسيح إلى شخصين منفصلين، بل كان هدفه الحفاظ على كمال كل طبيعة. يؤكد العديد من الباحثين المعاصرين أن ما علّم به نسطور بالفعل كان مختلفًا عن "النسطورية" التي أدينت، وأن سوء الفهم المتبادل والمصطلحات غير الدقيقة والعوامل السياسية لعبت دورًا كبيرًا في هذا الصراع المأساوي.

تمثيل تخطيطي للانقسامات الكنسية الرئيسية بعد مجمع خلقيدونية.